Thread Back Search

كيفية مواساة الطفل لموت أبيه وأخيه

اضافه رد
  • 12 - 2 - 2012 | 9:11 PM 1757 الصورة الرمزية فارس الاقصى فارس الاقصى
  • السؤال
    أنا أرملة منذ سنتين، لديَّ طفلة عمرُها 3 سنوات، وعمري 30 سنة، توفي زوجي وولدي، أريد أن أعرف كيف ومتى أبدأ أنْ أوصل فكرة الموت للطفلة؟


    كان عمرها 11 شهرًا حين تُوفي والدها وأخوها، ولا تتكوَّن أيُّ صورة في ذهنها عنهما، ولكن من خلال الصور بدأتْ تتعرَّف على والدها وأخيها، وأربط لها بينهما وبيننا بالصور.


    ولا أعرف إنْ كان ما أفعله صَحيحًا أم لا، ولكن نذكرهما أمامَها، وتسمع كلامَنا عنهما.


    بدأتُ بتحفيظها بعضَ آياتِ القُرآن، وهي تستوعب، ولكن أريد إلحاقها بالحضانة، وطبعًا الأطفال هناك لهم إخوة وأخوات وأب، ولا أريد أن يعامِلَها أحد من باب اليُتْم؛ لأنكم تعلمون كيف يعامَلُون،

    وقد يوثر ذكرهم يُتمَها على نفسيَّتِها بعد ذلك، ولا أعرف كيف أبدأ ومن أين؟ أتمنى الرد، وأنْ أعرفَ في خطوات من أين أبدأ؟ وهل رَبْطُ ذهنها بصورهم خطأ نفسي، مع العلم أنني لا أريد الزواج مرة أخرى، ويقولون: إنني هكذا أظلمها في أن يكون لها حق في إخوة، وأنا لا أرغب في الزواج، ولا أعرف أين الصواب، كل ما أعلمُه أنني أريدُ أن تكون فخرًا لي يومَ القيامة، دون أنْ يُوثِّر أيُّ شيء على نفسيَّتِها، ولكم كل الشكر على هذه الخدمة.

    الجواب
    أختي العزيزة، حفظكِ الله ورعاكِ.
    أسألُ اللهَ - تعالى - أنْ يتغمد زوجكِ وابنكِ بواسع رحمته، وأنْ يشملهما بفَيْضِ مَغفرته، وأنْ يُخلف عليكِ مَن هو خيرٌ من زوجكِ، كما أخلفَ على أمِّ سلمة مَن هو خير من أبي سلمة، عبده وحبيبه نبي الأمة محمدًا - صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا - وأنْ يَجزيكِ على حمدكِ واسترجاعكِ بفقد ولدكِ "بيت الحمد"، تبنيه لكِ ملائكةُ الرحمن في الجنة؛ فقد قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا مات ولدُ العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثَمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسَمُّوه بيتَ الحمد))؛ رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب.

    الموت من أعمقِ القضايا والمفاهيم والحقائق التي استعصى على الراشدين فهمُها، فضلاً عن أن يفهمَها الصِّغار الذين لم يَخبروا الحياة بعد، قال بعضهم: "الناس جميعًا لا يعلمون كيف يَموتون، ولو جرب الإنسانُ الموتَ، ما أدركه أو عرفه حقَّ المعرفة، وإنَّ مُعاينة موت الآخرين لا تُعلِّم الإنسان شيئًا عن أسرار الموت"، ومع عجزنا عن فهم كُنْه الموتِ وأسراره، يبقى الحقيقة الوحيدة الثابتة، التي لا تتغير بتغيُّر الأزمنة والأمكنة والمخلوقات: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الأنبياء: 35].

    واليوم أصبح وجه الموت مألوفًا؛ لكثرةِ الحروب والقتل والحوادث، وأصبحَ أطفالُنا مثلنا يشهدون صورَ الموت في كل مكان على التِّلفاز عبر نشرة الأخبار، ومن خلال الرسوم المتحركة، وفي موت الطيور والحشرات والحيوانات الأليفة، وفي ذبول النباتات الخضراء والشجر والزهور في الحديقة، ولعلَّ حديث "النُّغَير" خير دليل على ذلك؛ فعن أنس بن مالك قال: "كان رسول اللَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - يدخل علينا، ولي أخٌ صغير يكنى أبا عُمَير، وكان له نُغَرٌ يلعبُ به فمات، فدخل عليه النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ذات يوم، فرآه حزينًا، فقال: ((ما شأنه؟))، قالوا: مات نُغَرُه، فقال: ((يا أبا عمير، ما فعل النغير؟))"؛ رواه أبو داود.

    لذا؛ من الأهمية بمكان مناقشة حقيقة الموت مع الطفل، بدءًا من سن الثالثة، فما فوق، بعد حدوث الوفاة مباشرة، وبكل بساطة، وبمنتهى الأمانة، وبمعلومات صادقة ودقيقة مناسبة لعمر الطفل ومستوى إدراكه، فما يدركه طفلُ الثالثة يَختلف عما يدركه طفلُ العاشرة على سبيل المثال، وبألفاظ صريحة كقولنا: (مات) أو (تُوفي)، ومساعدته على تقبُّل حقيقة الموت والحزن والفراق، ومنحه الفرصة للتعبير عن مشاعره، والإفصاح عن كل ما يَختلج في نفسه من تساؤلات وأحاسيس وعواطف.

    وما فعلتِه مع ابنتكِ هو عين الصواب، فربط الطِّفلة بصور أخيها ووالدها المتوفَّيَيْن هي الطريقة المُثلى لشرح فكرة الموت للطفل في سن ابنتكِ، خصوصًا أنَّ الطفل يتميز في هذه المرحلة بـ"الإِحْيَائِيَّة"، كما يقول العالم النفسي بياجيه، ويقصد بذلك أنَّ الطفل لا يرى الصورَ والدُّمى كجمادات، بل هي كائنات حية تشبه حياته الواقعية تمامًا، فهي تكلمه، وتُصغي إليه، ويتعلم منها، ويُوبِّخها ويضاحكها.

    ومن الخطأ إخبارُ الأطفال عن الموتى بأنَّهم قد سافروا، أو أنَّهم ناموا، أو ذهبوا إلى السماء، أو ذهبوا إلى مشوار قصير، ثم يعودون؛ لأنَّ هذه المعلومات سترتسم في ذهن الطِّفل حرفيًّا على هذا النحو، ومِنْ ثَمَّ ستتشوه الحقائق المنطقية التي يتعلمها مع الوقت، فالمسافر مثلاً لا بُدَّ أن يعود من سفره، والنائم لا بد أن يستيقظ، ومن يذهب إلى السماء كيف يدفن في الأرض؟ ومن يذهب إلى مشوار قصير سيعود بلا شك، أمَّا الميت فلا عودةَ له في الحياة الدنيا، فكيف نشوِّه فكرة الموت في ذهن الطِّفل بهذه الأفكار الخاطئة؟!

    إنَّ ربطَ الموت بالنوم سيخلق قلقًا لدى الطفل من ساعة النوم والذَّهاب إلى الفراش؛ لأنه سيتخيل نفسه ذاهبًا إلى الموت لا إلى النوم، وربط الموت بالسماء سيخلق فزعًا لدى الطفل حالَ سقوط المطر؛ لأنه سيظن أن الميت سيسقط من السماء مع سقوط المطر، وربطه بالسفر قد يخلق نوعًا من القلق تجاه السفر؛ لأن السفر سيعني لديه عدم العودة تمامًا، كذلك الميت العزيز الذي سافر ولم يعُد.

    يَجب أن يشعر الطفل بأن موتَ أحد أفراد العائلة لا يفقده أبدًا من قلوب عائلته وذاكرتهم، بل على العكس سيبقى الميتُ جزءًا أصيلاً في البيت، ولن تُنسى ذكرياته بعد موته، فإنْ كنتِ تحتفظين بذكرياتٍ خاصَّة لابنكِ وزوجكِ، كدُمًى أو ملابسَ أو حتى قصص ترويها لابنتكِ عنهما، فافعلي ذلك لربط الطِّفلة بشقيقها وأبيها.

    وحتى في المناسبات السعيدة، كالعيدين مثلاً لا بد أنْ تبقى ذكرياتُهما بارزة وحاضرة، والدعاء دائمًا لهما بالرحمة والمغفرة.

    أمَّا نكران المشاعر ووقف الحديث عن الميت، فهو أمر غير صحي، وحين نحاول حماية الأطفال من الألم بإخفاء الحقيقة عنهم، فإننا في الحقيقة لا نحميهم، بل نؤذيهم كثيرًا؛ من أجل ذلك لا بُدَّ من الإجابة على كلِّ تساؤلات الأطفال حول الموت والموتى بصورة مبسَّطة، مع تَحمُّل تَكرارِ الأسئلة نفسِها على مسامعنا دون تذمُّر، ومنحهم الأمان والطَّمْأَنة بأن هؤلاء الأموات قد انتقلوا إلى حياةٍ أكثر أمنًا؛ لأنَّهم انتقلوا إلى رحمة الله، وإلى حياة أكثر جمالاً؛ لأنَّهم أصبحوا أكثر قربًا من الجنة.

    أعتقدُ أنَّ أطفالنا في فلسطين هم أكثرُ الأطفال في العالم إدراكًا، وتقبُّلاً، وفهمًا لحقيقة الموت؛ لأنَّه دائم الحضور في بيوتِهم، وفي البيوت المجاورة، وفي الأَزِقَّة والشوارع المقدسِيَّة المبَلَّطة.

    يجب أن تعرفي أمرًا مهمًّا هنا، وهو أن إدراك طفلتكِ لفقدان والدها قد يشعرها بالقلقِ من فقدانكِ أنتِ أيضًا؛ لذا لا بد من طمأنتها على الدَّوام، ومنحها الحب والحنان والشعور بالأمان، وإخبارها بأن العائلة الصغيرة ستبقى قوية وثابتة، وإن فقدت أحد أفرادها.

    بالنسبة لتخوفكِ من إلحاق ابنتكِ بالحضانة، فلنا في رسولنا الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - قدوة حسنة، فلقد ولد يتيمًا، ومع ذلك دخل "الحضانة السعدية" تحت إشرافِ مُرضعته حليمة، بعيدًا عن أمِّه إلى أن بلغ الرابعة أو الخامسة، كما ذهب إلى ذلك عامَّة أهل السِّيَر؛ حيثُ وقعت حادثة الشق عن قلبه - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو يلعب مع الغلمان في بني سعد.

    ثم إن الأطفال في سن ابنتكِ أقلُّ إدراكًا لمعنى اليُتم، ومن النادر أن يكون هناك إخوة في الحضانة نفسها، فلا تقلقي بشأن ذلك، لكن تخيَّري الحضانة المناسبة التي تتوفر فيها الشُّروط الصحية والعلمية والنفسية، والتي تُحقق الأهداف المرجُوة منها جسديًّا وعاطفيًّا وتعليميًّا وتربويًّا، وتأكدي بنفسكِ من تَمرُّس المشرفات هناك على التعامل الصحيح مع الأطفال، هذا هو أهم ما في موضوع الحضانة، فاطرحي مخاوفكِ جانبًا.

    أمَّا فكرة زواجكِ مرة أخرى، فهذا موضوعٌ سابق لأوانه، خصوصًا أنَّكِ قد ترملتِ منذ سنتين فقط، وما زال الجرحُ طريًّا، والحزن حاضرًا، والتفكير في الزواج برجل آخر بالنسبة للمرأة أمر مزعج ومؤلم؛ لأن المرأة أكثر وفاء وارتباطًا وحبًّا من الرجل، لكن لا تَضعي أحكامًا وشروطًا سابقة، فربَّما تبدلت ظروفكِ، وتغيرت أفكاركِ واتجاهاتكِ نحو الزواج متى ما وجدتِ الرجل المناسب، ولو بعد عشر سنين.

    ختامًا:
    أبشرك ببشارة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لمن فَقَد له ابنًا في الدنيا، في حديث أجده سلوانًا رقيقًا لكِ ولكل أمٍّ ثَكْلَى، رواه مُسلم في كتاب البر والصلة والأدب عن أبي حسان؛ قال: "قلت لأبي هريرة: إنَّه قد مات لي ابنان، فما أنت محدِّثي عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بحديث تُطيِّب به أنفسَنا عن موتانا؟ قال: قال: نعم، ((صغارُهم دَعَامِيصُ الجنة - أي: صغار أهلها - يتلقى أحدهم أباه - أو قال: أبويه - فيأخذ بثوبه - أو قال: بيده - كما آخذ أنا بِصَنِفَةِ ثوبك هذا، فلا يتناهى - أو قال: فلا ينتهي - حتى يدخله الله وأباه الجنة)).

    دُمتِ بألف خير، ولا تنسَيْنِي من صالح دعائك.




    الألوكة

    المواضيع المتشابهه:

  • 21 - 3 - 2012 | 2:59 AM 1757 الصورة الرمزية ألًأ دٌمَـ عُ ــة أمَيُ ألًأ دٌمَـ عُ ــة أمَيُ
  • يسلمووو اخي فاارس


    موضووع قيم

    اثقل به الباري موازينك


    واثابك به الفردوس الاعلى

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO

تصميم النور اونلاين لخدمات الويب المتكاملة